مرتضى الزبيدي

19

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

يوما في الدنيا قط إلا مرة بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام وكان بي البطن ، فجرني المؤذن برجلي حتى أخرجني من المسجد . وقال الفضيل : إن قدرت على أن لا تعرف فافعل ، وما عليك أن لا تعرف وما عليك أن لا يثني عليك وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت محمودا عند اللّه تعالى ؟ فهذه الآثار والأخبار تعرفك مذمة الشهرة وفضيلة الخمول . وإنما المطلوب بالشهرة وانتشار الصيت هو الجاه والمنزلة في القلوب ، وحب الجاه هو منشأ كل فساد . فإن قلت : فأي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماء ! فكيف فاتهم فضيلة الخمول ؟ فاعلم أن المذموم طلب الشهرة ، فأما وجودها من جهة اللّه سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم . نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء ، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقون به فيضعف عنهم فيهلك معهم ، وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم ويثاب على ذلك .